مصطفى لبيب عبد الغني
113
منهج البحث الطبي ( دراسة في الفلسفة العلم )
وبعد أن يذكر الرازي سبب الجدري « ولم صار لا يكاد يفلت منه الواحد فالواحد من الناس » ويذكر طبيعة الأبدان المستعدة للجدرى والأوقات التي تكثر فيها الإصابة ، يعقد الفصل الثالث للعلامات الدالة على ثوران الجدري والحصبة ، فيقول : « يتقدم ثوران الجدري حمى مطبقة ووجع الظهر وحكاك الأنف والتفزع من النوم . وهذه أخص العلامات بكونه لا سيما وجع الظهر مع الحمى ثم النخس الذي يجده العليل في جميع جسده وامتلاء الوجه وارتداده حينا واشتعال اللون وشدة حمرة الوجنتين واحمرار العينين وثقل الجسد كله وكثرة التململ علاماته التمطي والتثأب ووجع في الحلق والصدر مع شيء من ضيق النفس والسعلة وجفوف الفم وغلظ الريق وبحة الصوت والصداع وثقل الرأس والقلق والضجر والغشى والكرب ، غير أن القلق والغشى والكرب في الحصبة أكثر منه في الجدري ووجع الظهر بالجدرى أخص منه بالحصبة ، وسخونة الجسد كله واشتعال لونه وبريقه وحمرته وتشتد حمرة اللثة خاصة . فإذا رأيت هذه العلامات ، أو بعضها لا سيما أقواها كوجع الظهر والتفزع مع الحمى المطبقة فأعلم سيثور بالعليل جدرى أو حصبة غير أنه لا يكون في الحصبة من وجع الظهر ما يكون من الجدري ، ولا في الجدري من الكرب والغشى ما يكون مع الحصبة ، إلا أن يكون جدريا رديا إذ تكون الحصبة من دم مرارى . وأما الجدري السليم فتكون كمية الدم فيه أكثر ضررا من ردائته . ومن أجل ذلك يكون مع وجع الظهر لتمدد العرق والشريان العظيمين الموضوعين على قفار الصلب » « 1 » . وهكذا يظهر بوضوح مدى دقة ملاحظة الرازي في التفرقة بين طفح الجدري وطفح الحصبة ، ومدى قدرته على تصنيف هذه الملاحظات تصنيفا علميا سليما .
--> ( 1 ) الرازي : « الجدري والحصبة » ، ص 7 .